محمد عبد السميع (الشارقة)
حينَ قرأتُ كتاب «في دبي.. مهندس زادُه الخيال» انبهرتُ لدرجةٍ لا توصفُ، بهذه السردية المدهشة، لواحدةٍ من أجمل وأعظم مدن العالم. إنها دبي، المدينة الفتية المتطورة برؤى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، «رعاه الله»، المحكمة البنّاءة، وبسواعد أبنائها، وافدينَ ومواطنين، كلّ كأسنانٍ المشط متساوون. والكتاب يندرجُ ضمن أدب الرحلات، فكما هو معلوم، أنّ أهمّ ما يميز أدب الرحلات، أن كاتبه يستقي ويتزود بالمعلومات عن مكان الزيارة، من خلال مشاهداته الحية، وتصويره المباشر، ممّا يضفي على كتابته ثراءً وغناءً، ومتعةً حقيقيةً، وهذا ما كان في كتاب «في دبي... مهندس زاده الخيال» الذي صدر عن ندوة الثقافة والعلوم بدبي، فنجد الكاتبَ محمد حسين طلبي، المهندس الجزائري والكاتب المثقف، والباحث في مختلف القضايا الثقافية، يصدِّر كتابه بمقدمةٍ يسردُ فيها حكايته مع دبي، حينَ وصلها في تسعينيات القرن المنصرم، وحيداً دون عائلته، فقرر أن يشغلَ وقته في سياحةٍ شبه يوميةٍ، إلى أحياء دبي القريبة منه والبعيدة أيضاً، يتماشى مع جوّها وأرضها، يتأمل كلَّ ما تقعُ عليه عيناه من مباهجها الكثيرات، ويدوّن ما يشاهده، ليسَ كسائحٍ سطحيّ يرى بعيون مرشده، بل يكتب ما يراه بنفسه؛ فتتميز كتابته بالصدق والفردية، والأصالة والعمق. يكتبُ عن دبي، وكأنه يريدُ - على حد تعبيره - ردَّ بعض الوفاء للمدينة التي منحته، فرصة التقدم في الهندسة والثقافة، ووهبته قسطاً طويلاً مريحاً لحياةٍ مزهرةٍ خلّابة.
إن ثلاثمائة وعشرين صفحة عن دبي، لا تكفي للحديثِ عنها، وإن حديثيَ عن هذه الصفحات لا تكفيها صفحاتٌ بقدرها، لذا قررتُ أن آخذ جولةً سريعة في رحاب هذا المؤلَّف الممتع، الذي يصور دبي تصويرًا صادقًا، دونَ ترفٍ أو تزويقٍ فائض عن الحاجة، وحين نتكلمُ عن التصوير، فنحنُ نقصد بالطبعِ جسدَ دبي الماثل للعالمِ، بقوته وجماله وكماله، ولكن رأيتُ أن أبدأ من شيءٍ آخرَ، أهمّ من الجسدِ في العرف والواقعِ، ألا وهو الروح، وكما يقولُ الكاتب، إن الناس مشغولون دائماً بوجه دبي المشتعل، غير أن هناك وجهاً إنسانيًّا لدبي هو أصل ما يبدو عليه جسدها الآن، إنها روح دبي المفعمة بالثقافة والفكر والفن والعلم، التي تشيد الإنسان الذي يشيّد المدينة. المدينة التي إن لم تزرها، تستطيع أن تراها في هذا الكتاب الدسم، الغنيِّ بالمشاهدات الطازجة، تستطيع فقط بتكلفة وقتية بسيطةٍ؛ أن تذهب على متن الخيال، في رحلةٍ عبر الكلمات، وتدخلَ شارع وسوق نايف، كافتتاحيةٍ جماليةٍ تأخذك بعدها نحو الأبعدِ، الأكثر سحرًا ودهشةً، نحو ما يطمئن القلب بعد صدمةِ ما بعد الحداثة في التشييد والهندسة، فتجد نفسك في ساحة عبدالناصر، التي يصفها الكاتب بدقةٍ وحنين شفّاف، ويربط بينها وبين ساحات بعض مدننا العربية العريقة. ستزور شوارع كثيرةً، وسيريك الكاتب برج العرب وقرية الغوص والبرواز وجميرا والمطعم الجزائري وبرج الساعة والواك واي ونفق الشندغة، ومختلف معالم هذه المدينة التي أبهرت العالم بأسره،. من خلال ما تقدمه في الجانب الثقافي والإبداعيّ، سيزور قارئ الكتاب متحف نوبل عند عتبات برج خليفة، مسلة العرب العظمى؛ ليتزود بالمعرفةِ والنور، وإدراك قيمة العلم والاستثمار فيه، إن ألفريد نوبل - كما يقول الكاتب - لو عاد للحياة وقُدّر له زيارة دبي، لفضَّل البقاء فيها، فـدبي حاضنة حقيقية للعلم والعلماء والمثقفين.
إن الحديث عن الكتاب، يقودنا للحديث عن دبي، ومثلما وضحت في البدء، أن حديثاً كهذا عن مدينة كتلك، لا تكفيه آلاف الصفحاتِ صدقاً، صفحاتٌ بعدد مرافق ومتاحف ومراكز ومدارس وعمائر وساحات وميادين ولآلئ دبي وناسها الطيبين، المدينة التي استطاع الكاتبُ - بحرفيةٍ عاليةٍ، وبقلبِ عاشقٍ مبدعٍ - تصويرها بإيجاز وبشكلٍ سلسٍ خفيفٍ، لا يُمَلّ منه أبدًا.
إن «دبي – كما يقول الكاتب هي: «الصرخةُ النهضوية الأنيقة التي يتردد صداها في كلّ العالم». حقًّا هي المدينة التي تتوقع كلّ شيءٍ فيها، حتى وإن توقعت أن يكون بيتك في نصف القمر! نعم، ستجده هناك.. وستفهمُ أيها القارئُ قصدي حين تقرأ هذا الكتاب الجميل، عن المدينة الأروع في العالم.